أفاق المستقبلالعدد الرابع

مدينة دبي للإنترنت.. رقمنة المفاخر

دفع التسارع الهائل في المجالات التقنية خلال العقود الأخيرة الدول والشركات إلى انتهاج أساليب تفكير جديدة للعبور نحو المستقبل، وفتح أعينها على الاستثمار في نطاقات جديدة واعدة وجاذبة للاستثمار، على المستوى العربي كانت الإمارات سباقة لدخول أسواق الاقتصاد المعرفي بثقة واقتدار، وفي دبي فقد اتسعت الفرص والفضاءات للمدن والمناطق الحرة المتخصّصة، ومن بينها مدينة دبي للإنترنت «DIC»، وهي فضاء جاذب لتكنولوجيا المعلومات، حيث أنشأتها حكومة دبي كمنطقة اقتصادية حرة ومجمع استراتيجي للشركات التي تستهدف الأسواق الناشئة.

يعود تاريخ إنشاء هذه المدينة الحرة إلى العام 1999، بأمر من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي «رعاه الله»، وتمتد على مساحة قدرها 1.5 مليون قدم مربعة، تعمل في جنباتها، المجهزة ببنية تحتية متكاملة أكثر من 1600 شركة و25 ألف موظف يعملون في مجالات التقنية والاتصالات والشبكات السلكية واللاسلكية وتكنولوجيا المعلومات وإنترنت الأشياء، تقدم خدمات وتستهدف الأسواق المحلية والإقليمية والدولية، خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

التكنولوجيا والتجارة الرقمية
مع توسع اقتصاد العالم واتجاهات التجارة وتخصصها التقني، واستفادتها لاحقاً من الطفرات الإلكترونية والرقمية التي غيَّرت جذرياً معطيات ومستقبل الاستثمار، ظهرت في سنوات قليلة كيانات اقتصادية عملاقة كـ«غوغل» و«فيسبوك»، وتراجعت كيانات ضخمة ظلت تعتمد طيلة مسارها على الاقتصاد التقليدي، ومع هذه المتغيّرات في السوق ولدت مدينة دبي للإنترنت لاستقطاب واستضافة الشركات العالمية والإقليمية والمحلية العاملة في المجالات التقنية وتكنولوجيا المعلومات، وفق شروط تسهيلية للمناطق الحرة، وتوفر المدينة بنية تحتية مناسبة لمثل هذه الأعمال والأنشطة، ونظام بيئي لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، لا يخضع للتعرفة الجمركية المفروضة خارج نطاق المدينة، في وقت أصبحت المعرفة جزءاً من اقتصاد متنام قائم على الابتكار، وتتطوّر فيه الشركات الناشئة الجديدة بسرعة، وتستثمر فيه أيضاً شركات مصنفة في طليعة المؤسسات التي تدعم فكرة الاقتصاد العصري وتطوّر تكنولوجيات جديدة وتشجع الابتكار.

توسع الفرص
في مثل هذه الأجواء واكب نشاط مدينة دبي للإنترنت تطوّر المشاريع التجارية، وتوسع فرص نمو الأعمال في هذه المجالات في بيئة ديناميكية وإبداعية للشركات العاملة فيها، تسعى لأرباح ومكاسب من كعكة الحوافز التنافسية لاقتصاد المعرفة، مستفيدة مما رافق ذلك من انتشار للهواتف والألواح الذكية، وما تمتلئ بها من تطبيقات إلكترونية مرتبطة بمختلف أوجه الحياة كالصحة والتعليم والعمل والرياضة والترفيه، فأضحت خلال فترة وجيزة مركزاً لمجموعة من الشركات العالمية المعروفة في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات كـ«إنتل» و«مايكروسوفت» و«أوراكل»، و«ياهو»، و«سيمنس» و«كانون»، و«آي بي أم»، و«سامسونغ» و«كاسبيرسكي»، و«هواوي» و«سوق.كوم» و«كريم»، وغير ذلك من الشركات، مثل شركة «تينسنت جيمز»؛ أكبر شركة ألعاب إلكترونية في العالم، والتي اختارت هذه المدينة لاستضافة مقرها الإقليمي، في توجه يستهدف سوق الألعاب الإلكترونية محلياً وإقليمياً والذي يدعم بدوره قطاعات أخرى مثل التعليم والتدريب الرقمي والتجارب الثقافية والسياحية الرقمية.

الأسواق الناشئة
انبثقت من قلب هذه المدينة شركات تقدم خدماتها للأسواق الناشئة، مستفيدة من استحواذ الإمارات على 66% من التمويل الموجّه للشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفق تقرير لشركة «ماجنت» للأبحاث، كما أشارت مؤشرات وتقارير اقتصادية، أن مدينة الإنترنت تعد محركاً رئيسياً لعملية التحول الاقتصادي في الدولة، من خلال جذبها لرؤوس الأموال والأفكار، وتدوير وحركة الاستثمار في رؤوس أموال الشركات الناشئة،
في قطاعات استثمارية جديدة من أهمها التكنولوجيا المالية، التي حصدت أغلب الصفقات في هذه الأسواق، والتجارة الإلكترونية، وقطاعات التوصيل والنقل، فضلاً عن القطاعات التقليدية كالشبكات والاتصالات وغير ذلك من الأنشطة التي استفادت منها المدينة مع توسعها، حيث أصبحت تساهم وبشكل رئيسي في تسهيل دخول الشركات التي تتبنى نماذج الأعمال الجديدة وتمارس أعمالها في دبي، في مجالات أخرى عديدة كحلول المواصلات الحديثة، والتعلم الذكي، والطائرات بدون طيار والطباعة ثلاثية الأبعاد وتقنية سلاسة الكتل، والحوسبة الرقمية، والتجارة الإلكترونية والروبوت الذكي والذكاء الاصطناعي وأمن المعلومات وغيرها من اختصاصات المعارف التقنية التي دخلت حياتنا، وما يزال بعضها قيد التجريب في مخابر المستقبل.
إن التداخل الذي حدث بين تطوّر التقنية وتنوّع الخدمات، خلق تنافساً محموماً في الابتكار والجودة، وزخماً نوعياً في الشركات الناشئة وتخصص خدماتها، ما مكن من تطوير اقتصاد متنوّع، عبر هذه المجمعات، التي وفرت حلولاً في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لمعظم القطاعات الاقتصادية الرئيسية في دبي أيضاً، بما فيها قطاعات الضيافة، والإنشاءات، والنقل والتجزئة والبناء والصناعة والتعدين، وحلول النقل الحديثة والمدن الذكية.

التقنية والاستثمار والمستقبل
لقد باتت هذه المدينة جاذبة للاستثمار العالمي، خاصة بعد استحواذ عملاق المبيعات الإلكترونية «آمازون» على «سوق.كوم، وشركة النقل الذكي «أوبر» على «كريم» ، في صفقات تقدر بمليارات الدولارات، وهي كلها شركات ولدت من حضن هذا المجمع الإبداعي العربي، الذي فتح آفاقاً رحبة للابتكار والإبداع ببصمة إماراتية عربية لا تعرف المستحيل.
وتستقطب المدينة بشكل كبير الشركات التقنية الناشئة، التي تشكل نسبة تصل إلى أكثر من 60% من إجمالي الشركات العاملة في مجمعاتها.
بقي أن نشير إلى أن مدينة دبي للإنترنت عضو فعال في شبكة المجتمع الذكي الدولية، وهي شبكة دولية خاصة بتكنولوجيا المعلومات تهتم بتطوير البيانات، ومن خلال استثماراتها في التقنية وابتكاراتها، فقد حققت تنمية اقتصادية وتطوراً تكنولوجياً واجتماعياً، بما وفرته من أنشطة وفعاليات وشراكات للعاملين في التكنولوجيا ومهنيي وسائل الإعلام الجديدة، كما تعد شريكاً فعالاً لتظاهرات دولية كمؤتمر «غوغل» وأسبوع جيتكس للتقنية، فضلاً عن مساهمتها في نشر تقارير الصناعة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الإمارات، كما صنفت من أهم المناطق الحرة العالمية في المستقبل.