العدد الخامستجارب ملهمة

مدينة دبي الأكاديمية.. موئل موهوبي العالم

في عصر المعلومات التي تديرها التكنولوجيا وتحوّلها إلى اقتصاد المعرفة، بات الاستثمار في مجالات التعليم العالي على نحو ممنهج وتخصّصي من أهم رهانات التنمية المستقبلية، لذلك ارتكزت خطة دبي في تنويع اقتصادها، ودعم نمو القطاعات الاستراتيجية المختلفة فيها، على قطاع التعليم، بوصفه أحد أبرز مجالات الاستثمار الحديثة، وذلك من خلال «مدينة دبي الأكاديمية»، التي استقطبت المؤسسات والمعاهد الأكاديمية العالمية ووفرت بيئة نموذجية ازدهر فيها التعليم والتعلم، وحلق رأس المال البشري إلى أقصى إمكاناته.
هذا الصرح التعليمي الواسع، له جوانب اقتصادية تتكامل مع أهدافه الاستراتيجية، بما يوفره من إتاحة فضاءات جامعة لمختلف المؤسسات التعليمية التي ينشدها الطلاب والأكاديميون، وما يحققه من الإسهام بفعالية في ترسيخ دبي كوجهة عالمية للطلاب الراغبين في الدراسة خارج بلدانهم، وهو ما ينسجم مع رؤية الإمارات بشأن دعم اقتصاد المعرفة وتشجيع الابتكار وتعزيز مكانة الدولة كمركز للمبدعين في جميع المجالات وتطوير وتنمية مهارات الأفراد، حتى تحقق متطلبات العمل في المستقبل في ظل التغييرات التكنولوجية المتسارعة.
هذا المنطلق دفع مدينة دبي الأكاديمية إلى جذب أعرق المؤسسات التعليمية وتقريب الكفاءات في مجال التدريس الجامعي لنقل الخبرة، من حيث مساقات التدريس والمناهج والنظم التعليمية والإدارية، ومواكبتها لما يطرأ في الأوساط العلمية العالمية من تحديث وتطوير، وتمنح جامعات ومعاهد المدينة درجات علمية معتمدة في الإمارات ووفق أعلى المعايير ونظم التصنيف والمطابقة العالمية في مجال التعليم.

موئل الثقافات
مكانة دبي كمركز عالمي رائد، متعدد الثقافات والجنسيات، عززته الرؤية المستقبلية المتكاملة للإمارة، في سعيها نحو الاستدامة والتميز، فانعكس ذلك على استراتيجيتها بخصوص التعليم الجامعي الدولي، مستفيدة من تجاربه في أسواقه التقليدية لدى بلدان أخرى متطوّرة كبريطانيا والولايات المتحدة وكندا، حيث توجد أعرق الجامعات والمعاهد، فتم إدخال الإصلاحات التنظيمية وتقريب الخدمات وتبسيط الإجراءات، من خلال هذه المدينة، التي تكاد أن تكون المنطقة الحرة الوحيدة في العالم المخصّصة للتعليم العالي، لتتطوّر بعد عقد ونصف من تأسيسها، وتكون وجهة للتعليم وبيئة تضمن أجواء التنشيط والإلهام للطلاب وأعضاء الهيئات التدريسية في حرمها.

توجيهات وتوجّهات
افتتح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، مدينة دبي الأكاديمية في مايو 2006، وبلغت الاستثمارات التأسيسية الكلية في المدينة أكثر من 12 مليار درهم، استثمرت ضمن المراحل المختلفة للمشروع المعرفي، منها مليار درهم استثمارات حكومية في إنشاء البنية الأساسية، ولعبت مجموعة من العناصر دوراً في تطورها، فسهولة الوصول إلى دبي، إقليمياً ودولياً، من حيث كلفة النقل وخياراته، وسهولة الحصول على التأشيرات، وإمكانية الاستفادة من تعليم جيد في مدينة عالمية، والتفاعل مع أشخاص من جنسيات وثقافات وعرقيات وخلفيات متنوّعة، شكل ميزة أساسية للطلاب الذين يرغبون في الدراسة في الخارج، فضلاً عن تكلفة المعيشة النسبية، والأمان وجودة الحياة التنافسية، مع مدن عالمية كبرى مثل لندن ونيويورك وباريس وسنغافورة.
ودعم هذا النمو توجهات الإمارات، وخدماتها المتعلقة بتبسيط الإجراءات والخدمات، وسرعة معاملات الحصول على التأشيرات الدراسية والإقامة طويلة الأمد، وما رافقها من امتيازات تشجع على الاحتفاظ بأكثر المواهب تميزاً في الدولة، وتدعم المتفوقين والخريجين الباحثين عن عمل، مما رفع مكانتها كوجهة مفضلة للتعليم الجامعي، الذي يُعد مرحلة مهمة ومفصلية، تضخ أفضل الكفاءات في أسواق العمل.

مزايا خاصة
يتمتع شركاء هذه المنطقة التعليمية الحرة بمزايا خاصة، مثل إمكان تملك وتحفيظ المنشآت، والإعفاء من الضرائب، وسلاسة التحويلات المالية والأرباح، مع تعزيز ذلك بتسهيل إجراءات إصدار التأشيرات للطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية، وقد نمت هذه المدينة واستطاعت استقطاب أكثر من 23 مؤسسة تعليمية جامعية، ينهل الطلاب من مختلف الجنسيات، من العلم تحت قبابها، ويستفيدون من العلوم والمهارات المتقدمة، بالموازاة مع برامج شهادات مناسبة لمتطلبات السوق، مع الترويج للإمارات كمركز تعليمي عالمي، بوصفها تضم أكبر تجمع مركز لفروع الجامعات الدولية الرائدة في العالم، ما يعيد تعريف المشهد التعليمي في دولة الإمارات.

صروح معرفية
ويتجمع في قلب مدينة دبي الأكاديمية، جامعات ومعاهد وكليات، تقدم التكوين والتدريب في مختلف التخصّصات، وأغلبها جامعات عالمية للتعليم العالي تتبع لبلدان متعدّدة، كالولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وأستراليا والهند وباكستان وفرنسا وروسيا وكندا. وتوفر هذه المؤسسات التعليمية برامج تتراوح مددها ما بين عام واحد إلى أربعة أعوام، وتتيح لأكثر من 27 ألف طالب من مختلف جنسيات العالم، أكثر من 500 برنامج دراسي، بين درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، وقد سجل الإماراتيون في جامعات الفروع الدولية، خلال العام الدراسي 2018/2019 زيادة بنسبة 40%، ما يشير إلى تنامي اختيارهم للدراسة داخل البلاد بدلاً من السفر إلى الخارج.
أما أهم البرامج الأكاديمية التي تقدمها هذه المؤسسات فتشمل العلوم المتقدمة في مجالات الهندسة والحاسوب، والتكنولوجيا الحيوية والدراسات البيئية، وكذلك الدراسات المالية والإعلامية وأساليب التعليم والتصميم وبرامج إدارة الجودة وإدارة الأعمال.

أسماء لامعة
ومن الصروح الجامعية، التي توجد في جنباتها جامعة زايد، وجامعة حمدان بن محمد الذكية، والجامعة الأمريكية في الإمارات، وكلية كامبردج الدولية دبي، وجامعة هيريوت وات بدبي، ومعهد تكنولوجيا الإدارة، وجامعة مانيبال بدبي، ومبنى جامعة «برمنغهام»، المصنفة ضمن جامعات النخبة البريطانية، التي سيتم افتتاح توسعة حرمها الجامعي في المدينة سبتمبر 2021 ويمكن أن يستوعب 2900 طالب، إضافة إلى مراكز بحثية متخصّصة، مثل مركز محاكاة للتعليم التنفيذي وإدارة الأعمال، الذي أطلقت مدرسة إس بي جين للإدارة العالمية، ونجح في تطبيق فلسفة محاكاة التدريب في عالم الأعمال، وتقديم حزم تعليمية في ممارسة كيفية اتخاذ وصنع القرارات الفعّالة، وآليات التفكير الاستراتيجي.

مزايا وآفاق
لقد تم تصميم هذه المنشأة المبتكرة، من أجل الوصول برأس المال البشري إلى أقصى إمكاناته، لكون الجامعات والأوساط الأكاديمية متأسسة، في أصلها، على فكرة تواصل العقول لتقديم فهم أكبر للعالم، لذلك يتعزز الاتصال بين المدينة الأكاديمية وقرية المعرفة ويهدف ذلك بشكل استشرافي إلى تقوية التواصل لتحسين المزايا التعليمية، ومن ذلك الأنشطة والفعاليات والمؤتمرات السنوية، التي تبسط مفاهيم التكنولوجيا المتقدمة، وترسخ معارفها بين الطلبة، لتحفيز الابتكار، وتسريع اعتماد التكنولوجيات الحديثة وتبنيها، كمساهم فعال في إحداث التغيير والتطوّر المنشود، ومن ذلك ورش المختبرات التكنولوجية في جامعاتها حول البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وتقنية بلوك تشين، والمشاريع الطلابية المبتكرة لاستخراج الهيدروجين من مياه الصرف الصحي، وتحويل بقايا الطعام إلى مسحوق غذائي، والحاويات الذكية للنفايات وتدويرها، والبرمجة والروبوتات، والتغييرات الكبيرة المتوقعة للإحلال التكنولوجي خلال العقود المقبلة وآثارها على مهن المستقبل.
يشار إلى أن مدينة دبي الأكاديمية العالمية عضو في مجموعة «تيكوم»، وجزء من الشبكات الإبداعية لمدنها المتخصّصة، وهي تساهم في تعزيز مكانة دبي كمركز تعليمي دولي متنامٍ، وتعمل ضمن منظومة مبتكرة، تدعم تواصل الطلاب مع أبرز المؤسسات الأكاديمية، لتلبية الطلب على تعليم دولي عالي الجودة، عبر بيئة مرنة وعصرية للطلاب لتحقيق الاستفادة من الخبرات التعليمية والبحثية، ما يدعم جهود الإمارات نحو النمو والتقدم الاقتصادي من خلال المعرفة والابتكار، وتطوير الأفكار الجديدة والقدرات والمهارات التي ترسخ مكانة الدولة كمركز عالمي للإبداع وحاضنة للمواهب والعقول، وهو دورمحوري يتناغم مع الأهداف الاستراتيجية للإمارات ورؤية قيادتها لبناء اقتصاد مستدام يقوده الابتكار، ويهيء أرضية صلبة للأجيال المستقبلية.